معركة الموصل المرتقبة.. الواقع والتحديات ..د. جاسم الشمري


حق   4/7/2015 عدد القراء 25361

توطئة: انهيار القوات الحكومية العراقية في الموصل أمام بضع مئات من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في التاسع من يونيو من العام الماضي 

قلب الموازين العسكرية والاستخبارية على مستوى العراق والمنطقة، وصار هذا التغير هو الشغل الشاغل للمدنيين والعسكريين والمسؤولين وغير المسؤولين داخل العراق وخارجه.

سيطرة داعش على الموصل كانت سببًا لبناء تحالف دولي جديد تقوده أمريكا وتشارك فيه أكثر من ستين دولة أوربية وعربية، وجعلت الإمكانيات شبه مفتوحة من أجل تحقيق الهدف الأبرز، وهو القضاء على قدرات داعش، التي ما زالت حتى الساعة تسيطر على أجزاء واسعة من أكبر محافظتين: الأنبار في غرب العراق، والموصل في الشمال.

تحالف دولي

وبعد أيام قليلة من تشكيل التحالف الدولي بدأت الطائرات الأجنبية توجه مئات الضربات الجوية إلى مقاتلي التنظيم في العراق والشام، وربما تجاوزت تلك الضربات - حتى الآن - السبعة آلاف ضربة، أسهمت بشكل أو بآخر في إضعاف قدرات التنظيم في كلا البلدين، وبرغم أن العديد من الخبراء العسكريين والإستراتيجيين أكدوا أن الضربات الجوية لا يمكنها أن تحسم المعركة، إلا أن الولايات المتحدة أكدت أنها لا تفكر في التدخل البري في أرض العراق التي انسحبت منها نهاية عام 2011، وأن دورها سيبقى دورًا استخباريًّا وتدريبيًّا فقط، والحقيقة أن هذا الادعاء غير دقيق، حيث إن هناك اليوم تواجدًا لأكثر من خمسة آلاف عسكري أمريكي في مواقع عسكرية عراقية حساسة، ومنها المنطقة الخضراء، وقاعدة عين الأسد في الأنبار، وغيرها من القواعد المنتشرة في شمال وشرق وغرب البلاد.

والسؤال الذي يطرح: هل هذه القوات جميعًا جاءت لتقديم المشورة والتدريب؟!

عسكريًّا لا يمكن قبول مثل هذه الأعداد الضخمة في مهام تدريبية فقط، ومجريات الأحداث أثبتت مشاركة القوات الأمريكية - والكندية والإيرانية في مناطق أخرى - في معارك برية في المناطق القريبة من قاعدة عين الأسد في الأنبار؛ وهذا يجهض الادعاء الذي يؤكد على أن ذلك التواجد هو لأغراض استشارية فقط!

التدخل البري

اليوم، وبعد ثمانية أشهر من تداعيات سقوط الموصل صرنا نسمع هذه الأيام - وبقوة - تصريحات أمريكية وعلى أعلى المستويات - رسمية وغير رسمية - عن تدخل عسكري أمريكي مرتقب في العراق. والقضية هنا يمكن النظر إليها من أكثر من زاوية، ومنها:

- هل ستورط أمريكا قواتها ثانية في المستنقع العراقي؟ وهل سيعطي الكونجرس الأمريكي الضوء الأخضر للرئيس باراك أوباما للتدخل البري بعد أن فقد حزبه الأغلبية داخل الكونجرس؟!

- وهل سيقبل العراقيون تواجد القوات الأجنبية بريًّا في بلادهم؟

- وهل الاستعدادات القتالية الحكومية العراقية كافية لسد الفراغ بعد معركة تحرير الموصل؟

أظن أن الإجابة عن جميع هذه التساؤلات ليست بالسهولة التي يتصورها بعض المتابعين غير الدقيقين للشأن العراقي.

وهنا سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات، دون الخوض في التفاصيل الدقيقة، وذلك في ضوء المعطيات الموجودة على الأرض، وكذلك استنادًا للتسريبات الإعلامية.

من المسلمات أن القرارات في عالم السياسة تعتمد على مصالح الدول، والقدر الذي من الممكن أن تجنيه من وراء التدخل في المستنقع العراقي، وعليه ما زلنا نرى وبوضوح أن أمريكا لم تحاول أن تلعب لعبة مقاتلة تنظيم داعش مباشرة لوحدها، وبالتالي أدخلت العديد من الدول التي أسهمت بدرجات متفاوتة في هذه المعركة، سواء على مستوى العمليات الفعلية عبر الطائرات أم على مستوى تمويل تلك المعركة، التي تحرق فيها ملايين الدولارات في كل ساعة، وكذلك على مستوى الدعم الاستخباري.

وقبل أيام تحدثت بعض التقارير الصحفية أن الولايات المتحدة ضغطت بقوة على مصر وتركيا وبعض دول الخليج من أجل إشراك جيوشها في حرب برية في العراق وسوريا، ولكن هذه الضغوط جوبهت برفض شبه تام من تلك الحكومات، مما يؤكد أن هذه الدول لا تريد أن تورط قواتها بحرب بالنيابة عن الولايات المتحدة.

ثم قضية التخويل من قبل الكونجرس للقوات الأمريكية للتدخل البري لا يمكن أن تكون بالسهولة، التي يتصورها بعض المتابعين للشأن العراقي والأمريكي على حد سواء برغم أن أمريكا تدعي أنها جادة في القضاء على مخاطر التنظيم، وأظن أن الرئيس الأمريكي وفريقه الاستشاري أمام معركة سياسية لا يمكن التكهن بنتيجتها بسهولة، لكنني أتوقع أن أمريكا ستعود لبلاد الرافدين عبر قوات النخبة، لأنها تعرف أن القوات الحكومية العراقية لا يمكنها أن تحسم مثل هذه المعارك الكبيرة بمفردها، والتجربة أثبتت خوارها وضعفها الميداني.

المعركة الأخرى هي برلمانية أيضًا؛ لكن هذه المرة داخل المنطقة الخضراء بقلب العاصمة العراقية، فهل سيقبل مجلس النواب العراقي بتدخل بري أمريكي؟ أعتقد أن الموضوع فيه بعض التحديات، وأظن أن غالبية البرلمانيين الذين يمثلون المناطق التي تتواجد فيها داعش سيدفعون للقبول بذلك التدخل، ولو من تحت الطاولة، وأيضًا سنرى مواقف مشابهة من التيار الصدري وغيره من القوى التي تدعي أنها ضد الوجود الأجنبي على أرض العراق!

أما على صعيد الشارع العراقي، فالعراقيون لم ينسوا الكوارث، التي حلت بهم نتيجة حرب «التحرير» الأولى، التي خاضتها واشنطن للقضاء على الرئيس العراقي السابق صدام حسين، ولن ينسوا ملايين القتلى والجرحى ومعاقبة والمهجرين، الذين خسرتهم بلاد الرافدين نتيجة أكذوبة التحرير الأمريكية لبلادهم؛ وعليه فغالبيتهم غير مستعدين لتكرار التجربة الأمريكية ثانية في بلادهم؛ لأن الحكمة تقول إن المجرب لا يُجرب، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

الأهم من كل هذه الاحتمالات هو: هل القوات العراقية قادرة على مد يد العون للقوات القادمة من خارج الحدود على اعتبار أنها صاحبة الأرض وصاحبة المعركة؟!

أعتقد أن وزير الخارجية الأمريكية رد على هذا السؤال حينما أكد قبل يومين ردًّا على تصريحات مسرور البرزاني بخصوص بطء الضربات الأمريكية ضد التنظيم، حيث أكد الوزير الأمريكي أن القوات الحكومية في العراق غير قادرة على خوض المعركة، وإن تم إشراكها؛ فهذا يعني مجزرة حقيقية لها في الميدان، وهذا التصريح يلمح بصورة واضح إلى ضرورة التدخل الأجنبي، وإلا فإن المعركة لن تحسم حتى لو بقيت الضربات الجوية إلى قيام الساعة!

وهنا لابد من التأكيد على أن الولايات المتحدة برغم أنها تريد قوات برية أمريكية في العراق إلا أنها لا تريد أن تزج بجنودها ثانية بصورة مباشرة في العراق، وربما هذه الدعوات للقوات البرية هي لإحراج بقية الدول المشاركة في التحالف الدولي، وهي تريد هذه المرة أن تدفع الفاتورة الأقل في تكلفة الحرب، وتريد أن تكون صاحبة الجهد الأبعد والأقل خسارة، الصحيح أنه لا أحد يمكنه أن يجزم بالقول من هي الدول التي ستشارك في هذه الحرب البرية سواء من الدول الأجنبية أم العربية.

وبرغم هذه التوقعات ينبغي أن نؤكد أنه يوجد الآن على أرض العراق آلاف المقاتلين الأجانب من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وكندا وإيطاليا، فضلًا عن الوجود الإيراني الكبير في عموم المدن العراقية وبالذات صلاح الدين وديالى ومناطق حزام بغداد.

توقيت المعركة وكيفيتها

العديد من الصحف الأوربية ومنها صحيفة «كور ييري دي لا سيرا» الإيطالية أكدت بداية شهر فبراير 2015، وفقًا لتسريبات من داخل القيادة المركزية الأمريكية ومن «سي إن إن» أن الحرب المقبلة، ربما ستكون في أبريل القادم.

وأتوقع أن الأسباب التي جعلت الأمريكان يختارون هذا التوقيت، عديدة منها أن الانتهاء من الترتيبات الضرورية لتلك المعركة يحتاج لبعض الوقت، وقد بدأت بعض تلك القوات الوصول إلى الكويت، وكذلك التغيرات المناخية في العراق حيث يكون الطقس في هذه الفترة معتدلًا وهو بداية الربيع في العراق، وأنا أتوقع أن هذه المدة غير كافية خصوصًا أن البرلمان العراقي لم يحسم حتى الساعة الخلافات الكبيرة حول الحرس الوطني الذي من المفترض أن يكون هو الركن الأساس في المعركة المقبلة، وبالتالي أنا أتوقع أن المعركة ربما تريد أمريكا حسمها قبل الشهر السابع حتى يتخلص جنودها أو جنود الدول التي ربما ستشارك في هذه المعركة من الحر القاسي في العراق، وبذلك ربما ستكون المعركة على أقل تقدير في يونيو القادم.

ثم السؤال الذي يثار هنا: ما هي المحاور التي ستبدأ منها المعركة، وهل المعركة ستكون معركة تقليدية أم لا؟

أظن أنه قبل الإجابة على هذا التساؤل المهم لا بد أن نتعرف على بعض قدرات مقاتلي تنظيم الدولة (داعش)، ومنها:

التحشيدات البشرية الكبيرة لمقاتلي التنظيم في الموصل، التي ربما يعتبرها التنظيم معركة فاصلة، وهناك حديث عن انسحابات من شمال وشرق حلب السورية إلى الموصل، وهذا يؤكد أن التنظيم يعد العدة لهذه المعركة.

امتلاك التنظيم للدبابات والمدرعات، التي قدرها رئيس إقليم كردستان العراق بأنها أكثر من 1700 مدرعة، التي غنمها من الجيش العراقي بعد تركه للمدينة في حزيران الماضي، هذا إضافة إلى المدفعية والراجمات وغيرها من الأسلحة الثقيلة.

اعتماد التنظيم على أسلوب التفخيخ، الذي يعد من الأساليب التقليدية له في العديد من المعارك، وهذا ما لاحظناه في جلولاء والسعدية وكوباني، وهذا يعني أن هذا الأسلوب سيوقع المزيد من الخسائر في صفوف القوات المهاجمة، وكذلك سيبطئ من سير العمليات العسكرية التي تريد واشنطن إنهاءها بأسرع وقت ممكن.

محاور الهجوم ونوعية القتال

العارف بجغرافية مدينة الموصل سيؤكد أن القوات المهاجمة ستبدأ هجومها من شمال المدينة، وهنا بلا شك ستشارك قوات البيشمركة الكردية في المعركة، وكذلك من جهة الشرق وهذه ستكون قوات من الحشد الشعبي والبيشمركة والقوات الحكومية، وعليه سيكون الدخول المفترض للمدينة من أكثر من محور إضافة للقصف الجوي المكثف على أطراف المدينة وأماكن تواجد مقاتلي داعش.

وبخصوص نوعية المعارك هل ستكون معارك تقليدية أم ستكون حرب شوارع بين الطرفين؟

الواقع أن المعطيات على الأرض تظهر أن المعركة ستكون في بدايتها معركة تقليدية، أي تستخدم فيها الأسلحة البرية المتنوعة من دبابات ومدرعات ومدافع وراجمات وقوات برية وجوية، وهذا القتال سيكون في أطراف المدينة، أما في داخل المدينة فأتوقع أن المعركة ستكون حرب شوارع بين الطرفين، وهنا أظن أن الكفة ربما ستكون لجانب داعش، التي ستعمل على تفخيخ الشوارع والمنازل والدوائر الرسمية؛ وبالتالي فإن حركة القوات المهاجمة ستكون بطيئة جدًا ومحفوفة بالمخاطر.

معركة مرتقبة ربما ستكون بابًا واسعًا للمزيد من الخسائر في صفوف المدنيين من أهالي الموصل، الذين يقدر عددهم بأكثر من مليون ونصف مواطن ما زالوا حتى الساعة في المدينة، وبالتالي أظن أننا أمام مجزرة جديدة سترتكب في العراق بحجة مقاتلة تنظيم داعش!

متى سينتبه العالم لمعاناة العراقيين التي تتجدد في كل ساعة؟!

:: مجلة البيان العدد  334 جمادى الآخرة  1436هـ، مارس – إبريل 2015م.