السرية والشفافية ... د. جاسم الشمري


حق   12/17/2014 عدد القراء 12476

الشفافية: هي قابلية الجسم لإظهار ما وراءه، ويستعار للشخص، الذي يُظهر ما يبطن، فيقال له: رجل ذو شفافية، تحدث بشفافية، أي: بوضوحٍ تام.

والشفافية بعبارة بسيطة هي: الوضوح والصدق، سواء على مستوى العلاقات الاجتماعية، أم على المستوى السياسي في إدارة الدولة، وإطلاع الجماهير على غالبية السياسات الداخلية والخارجية، الاقتصادية والإستراتيجية؛ وهذا الأمر –إن طُبق– فإنه يُرسخ ثقة الجماهير بالحكام والسياسيين. وعبارة (الشفافية) هي جزء من تصريحات غالبية ساسة العراق اليوم، وهي جزء من قاموس المصطلحات المكررة في تصريحاتهم اليومية، ومنها: (العراق الجديد، والديمقراطية، والشفافية، وسيادة القانون، والكلمة الفصل للدستور)، وغيرها من المفردات، التي لا نلمس حقيقتها على أرض الواقع. ومن صور الشفافية المزيفة -التي تغطي العراق الجديد بظلمتها وعتمتها- ما تناقلته وكالات الأنباء من تصريحات متضاربة بين مكتب رئيس حكومة بغداد حيدر العبادي، ومكتب السفير الأمريكي في العراق ستيوارت جونز، إذ نقلت صحيفة الغارديان البريطانية قبل أسبوع تقريباً عن مكتب جونز، قوله إن» رئيس الوزراء حيدر العبادي وافق على منح القوات الأمريكية، التي تقاتل «داعش» في العراق حصانة قانونية». وفي اليوم التالي أكد مكتب العبادي عدم منح الحصانة للقوات الأمريكية، وأن» من يدعي وجود قوات برية أجنبية في العراق؛ يسعى لتحقيق أهداف شخصية؛ وإثارة الرأي العام، لا توجد أي قوات أمريكية في العراق، وهناك مدربون فقط»! ولم يكتف مكتب العبادي بذلك بل أوضح أن» المدربين الأمريكيين يمتلكون حصانة دبلوماسية؛ على اعتبار أنهم جزء من طاقم سفارة الولايات المتحدة، وأن الموافقة على منح الحصانة للمدربين تمت من قبل حكومة المالكي السابقة». ولا أدري ما هو الفرق بين منْ يمنح الثقة، سواء أكان المالكي أم العبادي، وهذا يؤكد أن حكومة العبادي أعطت لهذه القوات الحصانة الدبلوماسية، وهي تلاعبت بالتصريحات؛ لتوهم العراقيين أنها لم تفعل ذلك! المهم نحن أمام قوات هي فوق القانون، ولا يمكن ملاحقتها وفقاً للقانون العراقي؛ وبالمحصلة فإن حياة العراقيين -جميعاً- ستكون ضمن مرمى نيران هذه الجحافل الاستشارية؛ بحجة الدفاع عن النفس، والأخطار المحتملة، والنتيجة سنكون أمام خسائر بشرية جديدة –لا قدر الله- تضاف لكوكبة شهداء العراق المبتلى! ثم هل يعقل أن يكون طاقم السفارة الأمريكية في العراق قرابة خمسة الآلاف موظف، بعد أن تحدثوا عن إضافة (1500) عسكري آخر، سيلتحقون بقافلة الاحتلال التدريجي، وهذا الرقم يعادل مجموع دبلوماسيي أمريكا في عموم الوطن العربي تقريباً؟! وفي مهزلة شفافية أخرى، تضاربت التصريحات بين حكومة بغداد، وحكومة كردستان؛ وذلك بعد أن كشف قباد الطالباني نائب رئيس وزراء كردستان أن تصدير نفط كردستان هو قانوني، وقد تم ذكر ذلك في الاتفاق مع بغداد، وأن الإقليم سيصدر النفط من شمال العراق، ووارداته لميزانية الإقليم. هذا التصريح دفع وزارة النفط في حكومة بغداد إلى نفي الخبر، والتأكيد على» عدم وجود اتفاق شفوي، أو مكتوب غير ما ورد في البيان الرسمي لمجلس الوزراء، والذي تم الإعلان عنه، وأن الاتفاق –الذي وقع بداية الشهر الحالي- يتناول موضوع الموازنة وقانونها فقط، فيتم تصدير (300) ألف برميل من نفط كركوك عبر أنابيب كردستان، وكذلك (250) ألف برميل من إنتاج كردستان من قبل الحكومة الاتحادية». وهنا نتساءل في ضوء هذه التصريحات المتناقضة: منْ هو الشفاف في تصريحاته حكومة بغداد، أم حكومة كردستان؟! هذه هي الشفافية العراقية التي لا شفافية فيها، تزييف في التصريحات، وتغيير للمفاهيم والمصطلحات، وكلام مغاير لحقيقة الحال، فهل هذا استمرار لمسلسل خداع الجماهير، التي ضُيعت حقوقها، وأُهينت في عقر دارها؟! أين هي الشفافية، وهل ستبقى السرية والاتفاقات الجانبية هي المسيطرة على عموم الاتفاقيات بين أطراف العملية السياسية، ويبقى المواطن في خضم هذه التناقضات لا يعرف أي شيء عن الحقيقة، ويبقى فيها هو الخاسر الأكبر؟! تضليل عقول العراقيين هي أداة أخرى من أدوات الاضطهاد الفكري، والسياسي، والإنساني الممنهج في أرض الرافدين!