تم اتاحة التعليقات على جميع اخبار ومواضيع الوكالة لذا يمكن الان لزوار الوكالة ابداء الرأي والتعليق

اضغط على زر اعجبني لمتابعة اخر اخبار وكالة حق


نظرة الاسلام للمرأة
بحوث   3/1/2012 12:29:00 AM    عدد القراء 3438

حظيت المرأة عبر العصور باهتمام بالغ وجهد كبير من قبل العلماء والباحثين على اختلاف نزعاتهم وتعدد مشاربهم، وعلى تنوع تخصصاتهم وعلومهم ومجالات بحوثهم، كما أن الشرائع المنزلة من عهد آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم عنيت بالمرأة أشد العناية، وحرصت عليها أشد الحرص، وفي نصوص القرآن الكريم وما سبقه من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل ما يشهد بهذه العناية الكبيرة بها، وهذا الاهتمام البالغ بحقوقها.




غير أن هذه الدراسات وتلك البحوث كانت تختلف فيما بينها في تكوين مفهوم عن المراة ورسم صورة واضحة لها، وبالتالي تختلف في بيان ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، وذلك تأثراً بالبيئة والعادات تارة وانسياقاً في جموع خيالي ورغبات عاطفية تارة أخرى، وربما تأثراً بمخالفات فكرية قديمة ورواسب عقدية موروثة في بعض الأحيان، وجريا وراء مصالح مادية في كثير من الأحيان أيضاً.

فبينما أقرت بعض الدراسات حق المرأة في الحياة، واعترفت بإنسانيتها كالرجل تماماً وبتكريمها المطلق كإنسان لأنها من بني آدم المكرمين منذ خلق الإنسان لما في قوله تعالى:
(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء: 70).
نزلت بها دراسات وممارسات أخرى إلى مرتبة الحيوان المسخر لمصلحة الرجل. وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) (الزخرف 17-18).

وعلى مدى هذا التاريخ الطويل كانت المرأة سلعة تُباع وتُشترى، يُتشاءم منها وتُزدرى، تُبَاع كالبهيمة والمتاع،تُكْرَه على الزواج والبِغَاء، تُورث ولا تَرث، تُملَك ولا تَمْلِك، للزوج حق التصرف في مالها -إن ملكت مالها- بدون إذنها، بل لقد اُخْتلِفَ فيها في بعض الجاهليات، هل هي إنسان ذو نفس وروح كالرجل أم لا؟

وما انطبق على المرأة عبر العصور الغابرة ينطبق على المرأة المسلمة في الوقت الحاضر بدرجة أكبر.. فهذه المرأة المسلمة تتجاذبها تيارات عنيفة:

التيار الأول
يرى أنصاره أنه لا مكان للمرأة إلا داخل بيتها ولا وظيفة لها ولا دور إلا الخدمة وتربية الأبناء وتلبية رغبات الرجل.. وإن خرجت المرأة من البيت لضرورة لا يمكن تجاهلها فيجب أن تظل تحت الرقابة والوصاية. ويدعو لعودة المرأة إلى البيت بعد أن نالت درجات عليا من التعليم وصارت لها مشاركتها العامة بدرجات متفاوتة

التيار الثاني
يطالب بحرية كاملة للمرأة ومساواة مطلقة في الحقوق والواجبات. ويشتط بعض أصحاب وأنصار هذا التيار إلى حد إنكار وتجاهل الفروق الخلقية بين المرأة والرجل.
ويصل الشطط مداه حيث يطرح أسئلة تثير الشكوك بل تصادم صراحة القواعد والأحكام المستقرة والمستمدة من الأصول الشرعية.

التيار الثالث
وهو التيار الوسطي: يرى أن المرأة هي نفس بشرية جديرة بالاحترام، وطاقة إنسانية خليقة بالتقدير، وأن إهدارها هو حرمان للمجتمع من هذه الطاقة، التي يمكن أن تكون نافعة وبناءة إذا أمكن توجيهها في إطار مبادئ الإسلام ودون الخروج على أن من ثوابته.

ولكل من هذه التيارات مرتكزاته وله أنصاره، كما أن له تداعياته الفكرية والتطبيقية في واقع الحياة، مما يستدعي دراسة مستفيضة وحواراً مستمراً للوصول إلى كلمة سواء..

ولما كان المجال لا يتسع هنا للدراسة المستفيضة لقضايا المرأة بمختلف تعريفاتها وتداعياتها وانعكاساتها وخاصة من جهة دورها في العمل العام، فإننا سنحاول في هذا البحث إبراز دور المراة وفعاليتها ومدى مشاركتها في بناء الأمة من خلال عرض المرتكزات الأساسية وعدد من الصور والنماذج المتميزة لدور المرأة في صدر الإسلام وعصور الازدهار ومن ثم الحديث عن دور المرأة المسلمة في المجتمع المعاصر.

وفي ثنايا هذا البحث نناقش النقطة التالية:

لماذا.. للمرأة المسلمة قضية؟
كان من أخطر التحديات في وجه المرأة المسلمة تلك الدعوة أو الدعوة التي انطلقت باسم تحرير المرأة في أوائل القرن العشرين الميلادي، والتي حمل لواءها كثيرون غرر بهم وظنوا أنهم يستهدفون حقاً ضائعاً، بينما كانت حركة تحرير المرأة في جانب كبير منها جزءاً من مخطط الاحتواء الغربي والغزو الثقافي والاجتماعي الذي يستهدف إخراج المراة عن رسالتها وقيمها ودفعها إلى أمواج السفور والتحلل، وتجاهل هؤلاء أن الإسلام في الحقيقة هو الذي وضع ركائز تحرير المرأة الأصلية؛ ذلك أن الله تعالى هو:(ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50)، أي أعطى كل شيء من مخلوقاته القدر الذي يناسبه في كل شيء (وكل شيء عنده بمقدار) (الرعد: 8) ثم هداه إلى ما ينتفع به وينصلح أمره عليه.

أما هذه المحاولة فقد استهدفت الأسرة والأخلاق والقيم الإسلامية بإحداث ثغرات وخلق عقلية جديدة تفكر في إطار المفهوم الغربي العاري عن القيم والحصانة.

وقد تصاعدت هذه الموجة حتى خلقت مفاهيم خاطئة أشبه بالمسلمات أدارت رأس المرأة وتوشك أن تفسد العلاقات الطبيعية والفطرية بين المرأة والرجل، والزوج والزوجة، والآباء والأبناء في عشرات المواضيع والقضايا، فغدت الحياة الاجتماعية بعيدة في كثير من نواحيها عن المفهوم الإسلامي الأصيل.. فإن الله سبحانه وتعالى هو (الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) (الشورى: 17) وأمرنا: (ألا تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن: 8-9) وهو الذي قال: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء:70).

وليس (بنو آدم) إلا الرجل والمرأة متساويين في هذه البنوة ومن ثم فهما متساويان في هذا التكريم لأن النساء "شقائق الرجال" كما قال صلى الله عليه وسلم.

إن المفاهيم التي طرحتها حركة تحرير المرأة بالإضافة إلى ما قدمته مفاهيم الاستشراق والتبشير والتغريب كانت جميعها في حاجة إلى مراجعة، وكانت مختلفة مع الفطرة وبعيدة عن الاعتدال والوسطية.. فقد أثبتت الدراسات والأبحاث أشياء كثيرة جديرة بالنظر.

أولاً: ليس الذكر كالأنثى
فالمرأة تختلف عن الرجل في كثير من الصفات: في الصورة والسمة والصفات. ويرجع اختلاف المرأة عن الرجل إلى عوامل ثلاثة:

1- إن خصائص الأنوثة ومواهبها كقانون الزوجية والأمومة وذكاء العاطفة ليست أسباباً للتكسب (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله) (النساء: 32).

2- أن حظها من الاتزان والتريث في التفكير مختلف عن حظ الرجل، فالرجل يتعامل بغير ذي عاطفة، مع المادة الصماء والجماد، أما المرأة فهي تتعامل مع أشرف شيء في الوجود وهو الإنسان، فتحمله، وترضعه وتربيه. فتحتاج إلى حنان جياش يضم الطفل ويتحمل متاعبه.. فلا غرو أن خلقت على هذه الصفة من العاطفة التي تؤهلها للقيام بهذا الدور الهام. ومن هنا كان وصف النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بنقصان العقل المعلل في نقصان الشهادة (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (البقرة: 282). اي ان تنسى واحدة منهما فتذكرها الاخرى...

يقول الإمام محمد عبده في تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) (النساء: 34): "إن الرجل يجب أن يكون هو الكافل للمرأة، وسيد المنزل لقوة بدنه وعقله، وكونه أقدر على الكسب والدفاع، وأن المرأة يجب أن تكون مديرة المنزل ومربية الأولاد لرقتها وصبرها وكونها واسطة في الإحساس والتعقل بين الرجل والمرأة. فيحسن أن تكون واسطة النقل الطفل الذكر بالتدريج إلى الاستعداد للرجولة، ولجعل البنت كما يجب أن تكون من اللطف والدعة والاستعداد لعملها الفطري... أ. هـ" (تفسير المنار جـ4 ص354).

3- ما يطرأ على قواها البدنية والنفسية من ضعف أو تغير بسبب عوارض الحيض والحمل والولادة.
والقرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً قرر (وليس الذكر كالأنثى) (آل عمران: 36) وقرر أن المرأة لها تكوين رقيق خاص، مع هذا الاختلاف في "وظيفة المرأة" فإنه لا ينقصها شيء في نظر الإسلام من مساواتها للرجل في الحقوق العامة باستثناء قيادة الدولة.

والنصوص الشرعية لا تحول دون تمتعها بكافة الحقوق، ولكن في إطار الضوابط الإسلامية التي تحول دون أن تصبح المرأة رجلاً.

ثانياً: الأمومة
إن حضانة الأم لطفلها عمل ضخم بعيد المدى في تكوين الطفل لا يمكن أن يساويه أي عمل آخر تقوم به المرأة، أو يعوضه أي بديل آخر كالحاضنات أو الخادمات وقد سجل القرآن الكريم هذه المهمة في وضوح: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (الروم: 21).

ثالثاً: ثبات طبيعة المرأة وقوامة الرجل
من الحقائق التي أخفاها دعاة تدمير المرأة والأسرة عن الناس حقيقة ثبات طبيعة المرأة ثباتاً تاماً خلال العصور، وأن العصر الحديث لم يكن فيه من المتغيرات الاجتماعية والحضارية ما يحطم شيئاً من مهمة المرأة أو رسالتها أو طبيعة حياتها. 

ويذهب هؤلاء المبطلون إلى أن حرية المرأة وعملها في العصر الحديث من شأنه أن يحطم قوامة الرجل.
ونقصد بها الدرجة التي رفع الله بها الرجل على المرأة وما يتبعها من تحمل المسئولية بعد أن سوى بينهما في الحقوق والواجبات بقوله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) (البقرة: 228)، الذي يعني فيما يعنيه أن كل ما يحق للزوج طلبه وانتظاره من زوجته من أمور شرعية من طاعة وأمانة وعفة وإخلاص وحسن معاشرة ومعاملة ومودة واحترام وفقه وتكريم وبر وعدم مضارة أو مضايقة أو أذى أو سوء خلق أو تكليف بما لا يطاق يحق للزوجة طلبه وانتظاره كذلك.

فهي كلمة جامعة وضعت قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمراً واحداً عبر عنه عز وجل بقوله: (وللرجال عليهن درجة) وكلمة (بالمعروف) في مقامها بليغة المدى، لأن هذه الكلمة عامة تعني ما هو متعارف عليه أنه حق، وهذا لا يقاس بزمن معين فيما ليس فيه تحديد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل يظل يتبدل ويتطور حسب تبدل ظروف الحياة الاجتماعية وتطورها. والضابط العام فيه هو ألا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً.

وهل مشاركة المرأة في العمل مع الرجل مؤديه إلى إلغاء الفروق الطبيعية أو الجنسية بما يترتب عليها من اختلاف في الحقوق والواجبات الاجتماعية.. هذه الفروق أبدية، أما القوانين والنظم فأعراض متغيرة.

وهكذا نجد أن المحاولة التي قام بها النسائيون دعاة تحرير المرأة في العصر الحديث لم تكن في الحقيقة إلا ضد الأمة وضد قيمها وضد رصيدها المعنوي والمادي جميعها.. وعلى حساب الأسرة المسلمة وحساب المرأة نفسها، فإنها محاولة مسمومة مضللة، حاولت أن تقدم مجموعة خاطئة من المسلمات، ثم مضت تركز هذه المفاهيم خلال تلك السنوات الطويلة؛ من خلال قنوات الصحافة والإذاعة والتلفاز والمؤتمرات والندوات، وهي في مجموعها ترمي إلى خلق عقلية للمرأة خارج نطاق الزوجية والأسرة والأمومة، تصورها بصورة القادرة على الحياة في المجتمع مادياً وعلى أن تجد موردها الذي تعيش به.. وأن هذا يعطيها الحق في أن تختار الطريق الذي ترضاه في الحياة الاجتماعية والذي ربما تخرج به عن الضوابط والحدود والأعراف التي رسمها الدين.

ماذا يعوق فاعلية المرأة المسلمة؟
من المؤكد أننا لا يمكن أن نتكلم عن دور المرأة المسلمة في تكوين الأسرة الفاعلة إلا إذا وضعت في الميزان الصحيح الذي أعطاه لها التشريع الإسلامي في جميع حقوقها، وأزلنا عنها آثار التقاليد البيئية الظالمة التي توارثتها الأجيال.

إن إحقاق الحق في موضوع المرأة مثل إحقاق الحق في أي جانب من جوانب الشريعة، هو انتصار لشرع الله، على أن لموضوع المرأة أهمية خاصة لعدة اعتبارات منها:

1- المرأة هي أم المسلم وأخته ثم هي زوجته وابنته، فإذا جمعت المرأة بين جناحيها كل هؤلاء فمن يكون أعز منها؟

2- المرأة المسلمة أكثر تعرضاً لافتراس جاهليتين: جاهلية القرن الرابع عشر الهجري، أي جاهلية الغلو والتشدد والتقليد الأعمى لما وجد عليه الآباء، وجاهلية القرن العشرين الميلادي، أي جاهلية العري والإباحة والتقليد الأعمى للغرب، وكلتا الجاهليتين خروج على شرع الله.

3- المرأة نصف المجتمع ورئته المعطلة كما يقولون معطلة عن تخريج جيل مؤمن مستنير، ومعطلة عن المشاركة في إنهاض الأمة اجتماعياً وسياسياً، فتحرير المرأة المسلمة إذن تحرير لنصف المجتمع المسلم، ولن تتحرر المرأة إلا مع الرجل، ولن يتحرر الفريقان إلا بإتباع هدي الله المبين.

ومن هنا يتوجب علينا أن نقف أمام الأسباب والعلل التي حالت دون قيام المرأة المسلمة بدورها كاملاً ومشرقاً داخل أسرتها في إطار مجتمعها.

أولي هذه العلل
إن المسلمين انحرفوا عن تعاليم دينهم في معاملة النساء، وشاعت بينهم روايات مظلمة وأحاديث إما موضوعة أو قريبة من الوضع، انتهت بالمرأة المسلمة إلى الجهل الطامس، وإلى العزلة والاستعباد فأعادتها إلى ما يقرب من الجاهلية الأولى حتى أصبح تعليم المرأة معصية، وذهابها إلى المسجد محظوراً، ومشاركتها في شئون المجتمع أو انشغالها بحاضرة ومستقبله شيئاً منكراً عليها.

بل قد اسهب بعضهم في تقرير ان المرأة -حواء- كانت السبب في اخراج الرجل -آدم -  و بالتالي جميع البشرية من الجنة و انزاله الى الارض بعد ان وسوست له بالاكل من الشجرة المحضورة ...و هذا خلاف لما جاء في القرآن الكريم ، فقد وردت القصة في مواضع كثيرة في القرآن و جميعها بينت ان الشيطان هو من (وسوس لهما) ثم (أكلا منها) و لم يذكر في موضع واحد أن حواء هي من اقترحت على آدم ان يأكل من الشجرة. فأي عقول هذه التي تقرأ القرآن و تدعي الفهم به ثم تتقول مثل هذه الادعاءات الباطلة التي لم تقم على دليل صحيح!!

ويبين الشيخ محمد الغزالي مدى خطورة سيادة بعض الأحاديث الضعيفة على العقول وأخذها حجة على حبس المرأة، ومنعها من المشاركة فيما أعطاها الله لها من حقوق، ويضرب مثلاً لذلك ما روي عن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن المرأة لا ترى أحداً ولا يراها أحد وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وضم ابنته إلى صدره قائلاً: "ذرية بعضها من بعض".

قال – معقباً على الحديث: إنك تحكي حديثاً منكراً لم يذكره كتاب سنة محترم، إنك تحكي حديثاً يخالف تواتر القرآن الكريم والأحاديث الصحاح، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.. والوضاعون اختلقوا أحاديث تفرض الأمية على النساء، وصدقهم المخدوعون، فلم يفتحوا مدرسة للبنات واختلقوا أحكاماً تمنع المرأة من ارتياد المساجد، ومضوا في جهالتهم حتى قصروا وظيفتها ديناً ودنيا على الجانب الحيواني وحده[1].

العلة الثانية
استندوا في تعويق مسيرة المرأة إلى متشابهات من النصوص، تاركين المحكمات البينات لفريق من الناس لا يكفون عن الاحتجاج بالآيات الواردة في شأن "نساء النبي صلى الله عليه وسلم"

في سورة الأحزاب في قوله تعالى لهن: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلما تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً. وقرن في بيوتكن) (الأحزاب: 32-33).

وقوله تعالى: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب) (الأحزاب: 53)، فوجد من الآباء من يزوج ابنته بغير رضاها، رغم أن هذا الحق يلقي القبول والتأييد عند معظم الفقهاء بناء على أدلة قوية صريحة.

العلة الثالثة
لم يقف هذا الفريق عند حد استغلال المتشابه من النصوص وترك المحكم، بل استغلوا أحاديث صحيحة، ووضعوها في غير موضعها واستغلوها في هضم حق المرأة، كحديث الذي طالما اتخذوه عضداً يستندون عليه في تبرير نظراتهم إلى المرأة وهو حديث وصفهن بأنهن "ناقصات عقل ودين". ونص الحديث كما ورد في الصحيحين: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" وقد وردت على الحديث تفسيرات من العلماء ترجع إلى المناسبة التي ورد فيها الحديث، ومن وجه إليه الخطاب، ومن حيث الصياغة التي صيغ بها الخطاب حتى يتبين دلالته على معالم شخصية المرأة.

فمن ناحية المناسبة قيل النص من خلال عظة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في يوم عيد، فهل نتوقع من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق العظيم أن يغض من شأن النساء أو يحط من كرامتهن، أو ينتقص من شخصيتهن في هذه المناسبة؟

ومن ناحية من وجه إليه الخطاب فقد كن جماعة من نساء المدينة وأغلبهن من الأنصال اللاتي قال فيهن عمر بين الخطاب رضي الله عنه لما قدمنا المدينة: إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار. وهذا يفسر لنا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن".

وأما من حيث صياغة النص فليست صيغة تقرير قاعدة عامة أو حكم عام، وإنما هي أقرب للتعبير عن تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التناقض القائم في ظاهرة تغلب النساء - وفيهن ضعف – على الرجال ذوي الحزم، أي التعجب من حكمة الله: كيف وضع القوة حيث فطرة الضعف، وإخراج الضعف من فطرة القوة.

ومن الجدير بالذكر أن قوله صلى الله عليه وسلم "ناقصات عقل ودين" جاء مرة واحدة وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعظة خاصة بالنساء، لم تأت قط مستقلة في صيغة تقريرية سواءاً أمام النساء أو أمام الرجال.

 (تحرير المرأة في عصر الرسالة).
ومثل حديث: "شاوروهن وخالفوهن" وهو حديث لا أصل له، وهو مخالف لما جاء في القرآن من تشاور الوالدين أي الأب والأم جميعاً في فطام الطفل وفصاله: (فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما) (البقرة: 233).

كما أنه مخالف لما ثبت في صحيح السنة والسيرة من مشاوراته صلى الله عليه وسلم لزوجه أم سلمة في غزوة الحديبية، وأخذه برأيها، الذي كان فيه الخير والصواب ثم كان الفتح المبين للمسلمين.

العلة الرابعة
اجتهادات خاطئة أو مرجوحة صدرت من بعض علماء السلف – وجل من لا يخطئ – وقد عظم شأن تلك الاجتهادات وتضخمت نتائجها لثبات توارثها قروناً متطاولة بفضل الجمهور والتقاليد.

بعد أن بينا أبعاد قضية المرأة المسلمة والعلل والأمراض التي تعوق مسيرتها.. لنا أن نتساءل: ما هو الأصل العام الذي نصدر عنه في تقرير وضع المرأة في الإسلام مقارناً بوضع الرجل؟

هل الأصل هو التسوية إلا ما دلت النصوص على الاختلاف فيه بينهما؟ أم أن الأصل هو الاختلاف، إلا ما دلت النصوص على التساوي فيه؟

للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نبين مبادئ الإسلام في إصلاح شأن المرأة، لأن من خلالها سنقرر أن الأصل هو المساواة بينهما إلا ما دلت النصوص على الاختلاف فيه.

تتلخص المبادئ الإصلاحية التي جاء بها الإسلام فيما يتعلق بالمرأة في مبدأين أساسيين هما:

المبدأ الأول
أخوة النسب البشري – فهي أخت الرجل، إذ تنتسب وإياه إلى أب واحد وأم واحدة لقوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).

فهو ينادي الجميع بكلمة (الناس) معلناً أنه خلقهم من أب واحد وأم واحدة.. ولفظ (الناس) في اللغة يشمل أفراد الإنسان كافة رجالاً ونساء.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد هذه الحقيقة بقوله: "إنما النساء شقائق الرجال" بأسلوب الحصر، وبناءاً على هذه الأخوة الشقيقة فإن الأصل الذي ينبغي أن يستصحب دائماً هو أن كل ما ثبت من حكم للرجل ثبت مثله تماماً للمرأة، إلا ما بينت النصوص الشرعية اختصاصه بأحدهما فهو الذي يُستثنى من القاعدة المستصحبة أصلاً.

وبناءاً على إقرار هذه القاعدة فإننا لن نحتاج إلى استقصاء كل الأحكام التي تتساوى فيها المرأة مع الرجل في الإسلام، إذ أن الأصل في كل حكم هو التساوي بينهما فيه ما دام النص الشرعي لم يبين اختصاص أحدهما به دون الآخر.

إن المرأة تتساوى مع الرجل في الأمور الجبلية الفطرية التي ترجع إلى الطبيعة البشرية في عمومها، والتي لا فارق في أصلها بين الجنسين، مثل الانجذاب الفطري في كل منهما للآخر، ورغبة كل منهما في أن يكون محبوباً مقبولاً منه، ورغبته في أن يوفق إلى شريك في الحياة متوافق معه، ولذلك أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه وجد أولياء أمور النساء إلى مراعاة هذا الجانب في النساء وعدم إغفاله البتة، وعلل لهم هذا بقوله "فإنهن يحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم" وهو تقرير لحقيقة فطرة تغيب أحياناً عن بعض الرجال أو يتجاهلونها.

وحين نقارن بين كلمة عمر هذه التي قالها بعد أن تربى في الإسلام وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما روي عنه، من أنه وهو في الجاهلية وأد بعض بناته، وقوله عن حاله وحال الجاهليين قبل الإسلام وبعده: "كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقاً "ندرك حينئذ ما الذي يفعله فقه الإسلام وتربيته بالمسلمين. ومن هنا أيضاً ما قاله عبد الله بن عباس رضي الله عنه "إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي" والنصوص في هذا كثيرة.

المبدأ الثاني
المساواة بين الرجل والمرأة في الإنسانية: وذلك في قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) (النساء: 1).

والشاهد من هذه الآية يتعلق بثلاث جمل:
الجملة الأولى: قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) وبما أن المرأة داخلة مع الرجل في مفهوم كلمة (الناس) فهي مخاطبة معه بتكاليف التقوى، أي أن الخطاب متوجه إليها باعتبار خصوصية الإنسانية فيها، فهي إذا إنسان كما هو إنسان.

ويؤكد هذا المعنى ما جاء في سورة الأحزاب من توجيه الخطاب إلى إنسانية كل منهما بالتكليف وحمل الأمانة: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) (الأحزاب: 72).

الجملة الثانية: قوله سبحانه: (خلقكم من نفس واحدة) فإن دلالة هذا القول على النسبة الروحية أوضح وأكثر تأكيداً من دلالته على أخوة النسب الحسي، الذي لابد فيه من نفسين اثنتين لا نفس واحدة، ولا سيما أن النفس في اللغة تدل على الروح، وعلى الصفات المعنوية للمرء ولا تفتقر دلالتها على شخص الإنسان الظاهر للحس. (الإسلام والمرأة المعاصرة ص21).

الجملة الثالثة: قوله تعالى: (وخلق منها زوجها) فإنها مع سابقتيها تؤكد الدلالة على وحدة المعنى الإنساني وفي سورة الأعراف: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) (الأعراف: 189). والآية تنطوي على تقرير كون الرجل والمرأة زوجين يكمل أحدهما الآخر، وكونهما بناءاً على ذلك في مرتبة واحدة من ناحية الحياة الإنسانية، وكل ما في الأمر أن لكل منهما وظيفة تناسلية مختلفة عن وظيفة الآخر وحسب.

بتقرير هذين العنصرين، وامتزاج أحدهما بالآخر يتآلف الوصف العام الذي يشترك فيه كل من الرجل والمرأة على نحو من المماثلة التامة لا يفترق فيه أحدهما عن الآخر.


الاسم :
البريد :  
الموضوع :
نص التعليق